أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي

231

شرح مقامات الحريري

عنها بالكره والصّغار ، فهل بلغكم أنّ الدنيا أسمحت لهم نفسا ، وأغنت عنهم بحيلة ، بل أرهقتهم بالحوادث ، وضعضعتهم بالنوائب ، ودهمتهم بالمصائب ، أرأيتم مكرها بمن دان لها وآثرها ، وأخلد إليها ، يقول اللّه تعالى : مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها [ هود : 15 ] ، إلى قوله : وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ [ هود : 16 ] . وقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لأبي هريرة رضي اللّه عنه : « ألا أريك الدنيا جمعاء بما فيها ؟ قال : قلت : بلى ، فأخذ بيدي ، وأتى واديا من أودية المدينة ، فإذا مزبلة فيها رؤوس الناس وعذرات وخرق ، فقال : يا أبا هريرة ، هذه الرؤوس كانت تحرص حرصكم ، وتأمل أملكم ، ثم هي اليوم عظام ، ثمّ غدا رماد ، وهذه العذرات ألوان أطعمتهم اكتسبوها من حيث اكتسبوها فقذفوها في بطونهم ، فأصبحت والنّاس يتحامونها ، والريح تصفقها ، وهذه عظام دوابّهم التي كانوا بها ينتجعون أطراف البلاد ، فمن كان باكيا على الدنيا فليبك » فما برحنا ، حتى اشتدّ بكاؤنا . مرّ أبو عثمان الدّباغ ، برجل على كنيف ، فقال له : إلى هذا انتهت دنيا القوم . . وقال الشاعر : [ الكامل ] ولقد سألت الدار عن أخبارهم * فتبسّمت عجبا ولم تبدي حتى مررت على الكنيف فقال لي * أموالهم ونوالهم عندي ويروى أنّ عيسى ابن مريم عليه الصلاة والسلام مرّ بجمجمة فضربها برجله ، وقال : تكلّمي بإذن اللّه ، فقالت : يا روح اللّه ، أنا ملك زمن كذا ، فبينما أنا جالس في ملكي ، عليّ تاجي ، وحولي حشمي وجنودي على سريري ، إذ بدا لي ملك الموت وظهر ، فزال عنيّ كلّ عضو من موضعه ، ثم خرجت إليه نفسي . ولبعض الزّهاد : [ الكامل ] دنيا تخادعني كأ * نّي لست أعرف حالها مدّت إليّ يمينها * فقطعتها ، وشمالها منع الإله حرامها * وأنا اجتنبت حلالها ورأيتها محتاجة * فوهبت جملتها لها ولبعضهم : [ الوافر ] هب الدّنيا تساق إليك عفوا * أليس مصير ذاك إلى انتقال وما دنياك إلّا مثل فيء * أظلّك ثمّ آذن بالزّوال أبو العتاهية : [ البسيط ] يا من ترفّع بالدّنيا وزينتها * ليس التّرفّع رفع الطّين بالطّين